الرياض.. مفاوضات أمريكية روسية.. تمهيد للحل أم تعقيد للأزمة؟!

3 أعوام على الحرب الأوكرانية تغيير المعادلة فى ظل تحالفات جديدة 

جانب من المحادثات الأمريكية الروسية بقصر الدرعية فى الرياض
جانب من المحادثات الأمريكية الروسية بقصر الدرعية فى الرياض


محمد جمال الزهيرى

حالة من السيولة السياسية تعيشها الأزمة الأوكرانية تتوافق مع مناسبة مرور العام الثالث لبدء اجتياح روسيا لأراضى أوكرانيا فى ٢١ فبراير ٢٠٢١ مع استمرار الهجمات المتبادلة بين الطرفين، بينما اختلفت الأمور تمامًا على صعيد المواقف السياسية خاصة بعد وصول الرئيس الأمريكى رونالد ترامب إلى البيت الأبيض والذى ظل يردد خلال حملته الانتخابية وبعد إعلان فوزه بأنه لو كان موجودا لما اندلعت الحرب وهو يسعى إلى تمرير مشروعه الذى يقضى بإنهاء العمليات العسكرية ولو على حساب دول أوربا التى تمثل أقرب حلفائها تاريخيا وكذلك فى دعم الحكومة الأوكرانية طوال الفترة الماضية، ففى ظل حرصه على تمتين علاقاته مع روسيا بدأ مباحثات بين فريق العمل الذى شكله ونظيره الروسى فى الرياض فى تغييب للطرف الأوربى بل أيضا أى وجود لممثلين لأوكرانيا ذاتها تسبب ذلك فى ملاسنة نادرة بين ترامب والرئيس الأوكرانى زيلينسكى الذى أكد أن نتائج مباحثات الرياض لا تعنيه وغير ملزم بها وعلى الجانب الأوربى فقد بدأ الرئيس الفرنسى ماكرون جهودا فى توحيد وتنسيق المواقف، حيث نظم اجتماعا للمرة الثانية بعد القمة التشاورية الأربعاء الماضى عبر تقنية الفيديو.  

شهد زيادة فى عدد الدول الأوربية المشاركة بالإضافة إلى كندا ردا على سياسات ترامب مع تصاعد المخاوف الأوربية من مسار التسوية التى تقودها واشنطن وإحياء تحالفها مع روسيا الذى يعتبرها وزير الدفاع البريطانى جون هيلى مصدر تهديد  أبعد من أوكرانيا وعدوانها ليس محصورا فيها وعلينا مواجهة هذا التحدى، كل المؤشرات تقول إن الفترة المقبلة ستشهد توسيعا لفجوة فى المواقف بين واشنطن ترامب وأوربا وأحد المؤشرات رفض أمريكا لقرار مطروح فى الأمم المتحدة يدعم وحدة أراضيها ويدين روسيا الذى يريدها ٥٠ دولة بمناسبة مرور ثلاث سنوات على بدء اجتياح موسكو لأوكرانيا. 

وفى التقريرين محاولة لمزيد من التفاصيل عما جرى فى مباحثات باريس والرياض.

اقرأ أيضًَا | من الرياض إلى القاهرة خريطة طريق عربية ضد التهجير

فى خطوة دبلوماسية بارزة وبعد أيام قليلة من إجراء الرئيس الأمريكى دونالد ترامب مكالمة هاتفية امتدت لـ90 دقيقة مع نظيره الروسى فلاديمير بوتين، التقى وزير الخارجية الروسى سيرجى لافروف ونظيره الأمريكى ماركو روبيو بالعاصمة السعودية الرياض، فى محادثات رفيعة المستوى تهدف إلى تطبيع العلاقات الثنائية وبحث سبل إنهاء الأزمة الأوكرانية، إلا أنه لم تتم دعوة أوكرانيا للاجتماع وهو ما أثار ذعر كييف وحلفائها من الدول الأوربية من إمكانية عقد اتفاق وفرضه على الجانب الأوكرانى.

وتأكيدًا على الدور العالمى الرائد للمملكة العربية السعودية الشقيقة، استقبلت الرياض الطرفين الروسى والأمريكى لإجراء محادثاتهما التى تعد الأولى على هذا المستوى بين الجانبين منذ الغزو الروسى لأوكرانيا فى 2022، بقصر الدرعية شمال غرب الرياض فى حضور وزير الخارجية السعودى الأمير فيصل بن فرحان، ومساعد العيبان مستشار الأمن الوطنى، وذلك فى إطار سعى المملكة لتقريب وجهات النظر بين أطراف الصراع، وتعزيز الأمن والاستقرار العالميين.

ووصف وزيرا خارجية البلدين اللقاء بأنه مثمر، وتوصل الجانبان إلى اتفاق مبدئى حول ثلاثة أهداف رئيسية، هى: استعادة التمثيل الدبلوماسى الكامل بين البلدين، وتشكيل فريق دبلوماسى لدعم جهود السلام فى أوكرانيا، واستكشاف مجالات جديدة للتعاون الاقتصادى.

ويرى العديد من المحللين أن روسيا هى المستفيد الأكبر من المحادثات التى جرت الأسبوع الماضى بالرياض، حيث كان هذا الاجتماع هو المرة الأولى التى يلتقى فيها مسئولون أمريكيون وروس رفيعو المستوى منذ بدء الحرب بين موسكو وكييف فى عام 2022، فيما يعتبر انقلابا كاملا لسياسة إدارة الرئيس الأمريكى السابق جو بايدن.

وأكد الرئيس الروسى فلاديمير بوتين أن المحادثات الروسية الأمريكية التى انعقدت فى الرياض كانت «إيجابية»، مشيراً إلى أنه يعطى هذه المحادثات «تقييمًا مرتفعًا»، وشدد على أن الجانب الأمريكى فى المحادثات لم يكن منحازاً، وأن ممثلى الولايات المتحدة كانوا منفتحين على العمل معاً، كما أعرب عن استعداده للقاء ترامب قريبا لكنه نوه إلى أن هذا اللقاء يجب التحضير له.. كما أعلن المتحدث باسم «الكرملين» أن الرئيس الروسى مستعد للتفاوض مع نظيره الأوكرانى «إذا لزم الأمر» مع تجديده التشكيك فى شرعية فولوديمير زيلينسكى بصفته رئيسًا لأوكرانيا.

من جانبه، قال ترامب إن المحادثات مع روسيا فى الرياض كانت «جيدة جداً»، وأعلن أنه من المحتمل أن يلتقى بوتين قبل نهاية الشهر الجارى، وشدد على أن بلاده لن تنشر قوات فى أوكرانيا، مؤكداً أن هذا الأمر من شأن الأوربيين وأنه لا بأس بنشر قوات حفظ سلام أوربية فى أوكرانيا، كما قال إن بلاده قدمت مليارات الدولارات لأوكرانيا وتريد أن تعرف أين ذهبت تلك الأموال.

وفى تطور لاحق، وصف ترامب نظيره الأوكرانى زيلينسكى بأنه «ديكتاتور وغير كفء»، وانتقد استمراره فى قيادة البلاد دون انتخابات، واتهمه بارتكاب «أخطاء كارثية» فى إدارة الحرب مع روسيا، كما أوضح أنه كان بإمكان كييف عقد صفقة مع روسيا منذ زمن طويل، وأنه لو أرادت روسيا تدمير أوكرانيا لفعلت ذلك، وشدد على ضرورة أن تتحرك أوكرانيا بسرعة لإنقاذ نفسها من «الضياع»، فى إشارة لضرورة القبول بتسوية مع موسكو لإنهاء الحرب المستمرة منذ 3 سنوات.

وكان زيلينسكى قد أعلن عن استيائه من المحادثات الروسية الأمريكية التى جرت فى الرياض، واصفًا إياها بأنها «مؤسفة»، وأشار إلى أن هذه المفاوضات عُقدت دون مشاركة أوكرانيا أو علمها المسبق، وأكد أن أى اتفاقات تتعلق بأوكرانيا دون مشاركتها المباشرة تعتبر غير ملزمة ولا يمكن قبولها، كما أعلن أنه أرجأ زيارته المقررة إلى السعودية فى ضوء المحادثات التى جرت هناك.

وشهد ملف الحرب الروسية الأوكرانية تطورات متسارعة على الصعيد الدبلوماسى خلال الأسبوع الماضى، حيث عقد سفراء دول الاتحاد الأوربى السبع والعشرين قمة طارئة على خلفية الموقف الأمريكى الجديد من مسألة الحرب فى أوكرانيا، واتفقوا على مجموعة جديدة من العقوبات ضد روسيا، ومن المقرر أن يعتمدها وزراء خارجية الاتحاد الأوربى رسميا الأسبوع الحالى، لتدخل حزمة العقوبات الـ16 من الاتحاد الأوربى على روسيا حيز التنفيذ.

ولم تقتصر التطورات المتسارعة فى الملف الأوكرانى على الجانب الدبلوماسى فقط،  بل شهد تطورات ميدانية عسكرية، حيث شنت القوات الروسية هجمات بطائرات مسيرة استهدفت مناطق متفرقة فى أوكرانيا.